Salman Almalik

   
 

 

  Home  Biography  Gallery  Photos  Critics  Contact    
     

 

 
   

فـارس فـوق خيــول عديـدة

 
 
 

 

تحكم الظروف على البعض منا – أحياناً – بأن يتصدى لجهات قتال عديدة ، فينسى الواحد من هؤلاء البعض محدودية قدراته الفردية الضعيفة الغلبانة ، ومحدودية عدد ساعات اليوم ، ومحدودية سنوات العمر مهما طال ، ويشمر الواحد منهم عن كميه ، ويخوض المعارك في أكثر من جبهة معلماً ومتعلماً ، مثيراً الإعجاب والزوابع والانتباه . وهذا النوع من البشر يُخلق منازلاً ، متصدياً ، وافر الأحلام والأماني والأوهام .

وإذا كانت هذه النوعية من البشر متوفرة في الزعماء والسياسيين والقادة ، إلا أنها قليلة – نسبياً – في أهل الفن . وسلمان المالك هو واحد من النوعية المذكورة أعلاه ، فهو: مصور وملون لوحات ، ورسام كاريكاتور ، ورسام صحفي ، ومخرج مطبوعات ، ومصمم أغلفة كتب وملصقات ، كما أنه – أيضاً – مبتكر علامات بصرية (وقد يكون هناك ما هو أبعد من ذلك ولا أعرفه بعد ) .

هناك وفرة نسبية ببلادنا العربية في فرسان ما اتفقنا على تسميته بـ"الفن التشكيلي" ، ولكننا – في المقابل – نلمس ندرة واضحة (لا داعي لإنكارها ولا للخجل منها) ، في الممارسين بالمجالات اليومية المتصلة بالحياة الدارجة التي يتم فيها تطبيق الاكتشافات ونتائج التجارب "المعملية" التي تتم في مراسم :التشكيليين" ، فالمجالات التي يتعامل معها عموم الخلق (بأعدادهم الغفيرة الواسعة) من شاكلة: الكاريكاتور ، والرسم الصحفي ، والتصميم الجرافيكي ، والإخراج الطباعي ، والعلامات البصرية – كلها لا تتمتع بثمار جهود أهل "التشكيل" وتجاربهم واكتشافاتهم  ،وفي تفاقم يضاعف من العزلة التي تفرضها ممارسة وتعاطي "الفنون التشكيلية" في بلادنا التي لم تعرف الفن – في تراثها – إلا تطبيقاً وكجزء صميم من ممارسة الحرف والصنائع ، ينعزل أهل الفن عن الحياة اليومية ، ويقبعون في  مراسمهم ، تاركين ممارسة "الفن اليومي" لأكلة الخبز المتسرعين ، والذين لا يتمسكون بأية شروط ، ولا تراودهم أية أحلام أو أوهام.

والرسام الذي يملك قدراً من الوعي والهم بواقعه المحيط ، قد لا يقنع بمجرد الدور "التشكيلي" في: إقامة المعارض للوحاته المؤطرة ، واستقبال زوار معرضه القلائل (بالمقياس إلى تعداد الأمة) ، ولا بإقتناء بعض القادرين ، والمؤسسات الحكومية والتجارية والفنادق لبعض تلك اللوحات، يتجاوز طموح الرسام الواعي هذه الدائرة ، ويصل حلمه إلى محاولة التغيير في ما هو يومي وشائع ومتداول: في ذوق الناس "العاديين" ، وإعلاء لغتهم "البصرية" التي قهرتها وقمعتها أختها الكبرى "الشفهية" لأجيال طويلة ، ويناضل الرسام – من هذا النوع – ليغني بديهة أهل بلده الجمالية ، وحسهما النقدي ، وليجعل تفاعلهم البصري مع ما يرونه أكثر تركيباً ، وليدفعهم إلى إعادة النظر الدائمة في اليومي المحيط بهم ، والذي يبدو – من طول تكراره – عادياً ومألوفاً ، ويجعل همه حث الجميع على الاندهاش الدائم .

ولا ينشغل هؤلاء "الفنانون" – من نوع سلمان المالك – بمجرد تسجيل الأرقام القياسية في ميادينهم بل بفتح الأبواب المغلقة ، أو بإنشاء أبواب لم توجد من قبل ، ثم مصارعة فتح مغاليقها ، أو حتى مواربتها ، وهذا دور – لو تعلمون – عظيم ، سيكون من نتائجه – على الأقل – أن تفتح الأجيال الخضراء الجديدة عيونها لتجد أمامها مجالات متعددة ، وأبواب مفتوحة ، ومهن مستقرة ، تغريهم بالتعلم والممارسة والتجويد والتجاوز ، وهكذا تتمتع هذه الأجيال بما لم يكن متاحاَ أمام آبائهم وأجدادهم ، وهكذا تسير الدنيا إلى الأمام .

لا أعلم – بالضبط – كيف يقسم سلمان المالك ساعات يقظته اليومية بين تصوير اللوحات وتلوينها ، وبين الكاريكاتور ، والرسم الصحفي ، والتصميم الجرافيكي ، ولا أدري كيف يحل معضلة التنقل بين حالات الممارسات المختلفة ، وكيف يحل تناقضاتها بين بعضها البعض . لكننا قد نلاحظ أن المالك اختار لنفسه جمهرة من المهن الفنية يجمعها قاسم مشترك أعظم هو: الجمع بين العاطفة والعقل ، وبين الوجدان والوعي . فهي مهن قلب وعقل، واندفاع عاطفي وتفكير ، ولعل الاحتفاظ بالتوازن بين هذه الثنائيات المتعارضة لأمر شاق ومجهد ، إلا إذا كانت تلك هي التركيبة الشخصية التي خلق بها هذا المتصدي .

وإذا كان سلمان قد نجح – حتى الآن – في جمع أعنة تلك الجياد المتنافرة في قبضته  ، أرجو أن يحالفه النصر في معاركه القادمة التي أتصور أن يكون ميدانها هو عمر الأربعين (الذي سيهل عليه بعد خمس سنوات ) . أتوقع أن تكون المسألة التي ستطرح نفسها عليه حينذاك ، هي فتح قنوات ممارسته للفن على بعضها ، فكيف سيكون ذلك؟

الإجابة : أن يتمتع الكاريكاتور أكثر تجارب صاحبه في التصوير والتلوين ، وأن يثري التصوير والتلوين ببعض من روح السخرية والدعابة المتوفرة في كاريكاتوره ، وأن يمس التصميمات الجرافيكية بروحها المعمارية والهندسية شيء من عاطفية وشطط التصوير والتلوين في لوحاته وان يصاب الكاريكاتور ببعض خبرات الاختزال والاختصار البليغ التي يجنيها المصمم الجرافيكي .

ها نحن نتنبأ لك أيها السلمان بمعارك جديدة ، وتصديات أخرى ، ونبتكر لك مصارعات إضافية وكأن ما فيك لا يكفيك!.

لكننا – في كل الأحوال – نؤازرك ونشد على يديك ونحيي همتك وتصديك . ونقول لك: قلوبنا معك!

    

 

       

                                     محيــي الديـن اللبـاد

                                  القاهـرة – أكتوبر 1993

 

 

 
   

Back