Salman Almalik

   
 

 

  Home  Biography  Gallery  Photos  Critics  Contact    
     

 

 
   

سيميولوجية اللوحة  وخطاب التكوين

 
 
 

 

معرض الفنان التشكيلي سلمان المالك طقس بصري تأويلي شعري كونته انساق بصرية،اجساد،ايقاع،لون،حركة،خطوط،كتلة،مساحة،ضوء،ظل،صمت ديناميكي،تداع بصري،رؤية وشبكة قراءات متداخلة،بعد رابع للزمن،فضاءات مغلقة،حرارة لونية،اطارات مغلقة مختومة باللون الاحمر،شخوص تنتظر استدارت واستطالت كأعمدة الكهرباء،حجوم هندسية ولوغاريتمات،تكوينات كمراكب ثقيلة تنتظر الإبحار الى عمق مياه معتمة، لااحد يذهب ولا احد يجيء ،شخصيات تشبه غرفا مغلقة ،ضلال جالسة واخرى واقفة اصابها الوهن والشيخوخة منذ زمن بعيد تنتظر السفن، وعربات البريد أتعبها الزمن وأتعبها الوقوف ارتدت أزياء كل العصور ، اجساد بلا وجوه وذاكرة تيبست مثل اشجار محروقة جلست على كراسي متعبة هي الأخرى، الألوان كانت نارا وحرائق تشق طريقها خلال الغابات وعبر نهور قاصدة أرضا بغير حدود ووسط هذا المجرى المعذب كنا هناك.

لم نكن أمام معرض ايقوني، لكن أمام لوحات منتشرة على جدران صامتة ،لم نكن أمام أحجام وألوان وكتل ايقونية ،بل كنا إمام أسئلة ميتافيزيقية وعلامات تطهير وتراكم وعذابات خلق منها المالك تأريخا يثير الشفقة والغضب لتؤكد ماوراء تراجيديا المصير الإنساني بلغة تشكيلية لاعلاقة لها بميتافيزيقية العنف وميتافيزيقيا ذاكرة الجسد ، ومن خلال هذه المنطلقات الفلسفية انطلقت قراءة الفنان سلمان المالك الصورية في إنشائية اللوحة وخطابها اللوني وتعمقت رؤاه البصرية من نوبات جسدية وحشية الإيقاع ووجوه غائبة لأشكال تحتفل بلا شموع وباقات ورد ، الشخصيات شاردة في الذاكرة النهارية التي تجد صداها في اللاشيء والفراغ، المالك أراد ان يظهر شخصياته المزدحمة داخل اطر خشبية وان يحررها لتكون شهودا على انهيار حضاري وألم أنساني مستمر.

المعرض كان فضاء جحيميا في لحظة الاحتراق ، طقس بصري تم فيه تحويل الزمن الواقعي الى مجرى زمني مركب ، زمن الرؤيا والأحلام في حركة ديناميكية ضمن البعد الشعري للزمن والفضاء والكتلة والتكوين والذي لا ينفصل عن التأويل السيميولوجي والسؤال الفلسفي والطاقة السحرية الكامنة في زمن المنجز الفني وزمن المتلقي.

المالك في معرضه الأثيري كان أشبه بالأشرعة التي تفتقد رؤية الجزر وأشبه بنهايات الجمل التي تنتظر الفراغ ، الفنان المالك أبحر الى مدن جديدة مدن تجاوزت بقرائاتها سكونية المكان والحلم ، لوحاته شعر وموسيقى وألم تراجيدي تحرس الرمل الابيض وتبرق للغيوم والبحر الذي لم يتعلم الراحة بعد تبرق نداءات استغاثة وندم.

الفنان المالك استطاع ان يؤسس طقسا وتمتمة استيقاظ لاطياف شخصيات تستيقظ من أوكار مصحات مجهدة ومتعبة تدون مذكرات رحلة بصعوبة والم داخل اطر مفعمة باحمرار لوني كأنه النار ، تتذكر بصعوبة معلقة بالهواء إقدامها لاتمس الأرض ، تنتظر الرياح تعصف بأرديتهم ، ظلال هائمة ملونة تتثاءب بكسل وضجر تنتظر خلاصا لأمل طويل ، فضائات اللوحة تحركت مثل حشد خيول مجهدة متعبة تتصبب عرقا كأنها تمخر الضباب والغيوم ، تركض الى حيث لاتعرف.

في هذا الفضاء تشكلت سيميائية اللوحة وخطابها التكويني ورموزها هي

أ‌-        التداخل، امتصاص منطقة علامية لمنطقة أخرى بصورة جزئية

ب‌-     التحول- تحول العلامات اللونية مع محور علاماتي أخر

ت‌-  ج- ان البنية المهيمنة على المعرض هي نبتة لاشعورية قامعه داخل اضطراب يلفت انتباه المتلقي الى وجوده وحضوره الايمائي ويفتح إمامه أفاق من الايمائات الواسعة والدينامية الأمر الذي يجعله يعبر عن كل شيء في حين انه لايعبر الا عما أسقطه عليه من معان ومدلولات هي في الوقت ذاته دوال لمدلولات أخرى.

لقد اخذ اللون مساحه مطلقة ليمارس على اللوحه طقوسية المهايات لخطابات ملتبسة تصل بين الارض والسماء وبين محطات انتظار وكراسي متروكة وشخصيات تسطحت واستدارت ونمت كطحالب انهر لهذا فان الخطاب اللوني عند المالك انفتاح بصري تحرك بمستويات وبؤر تتوازى فيها الحركات ولحظات الصمت والتمزق والانتظار ، وبين الصراع والصمت يندفع اللون في كونية كاسرة وساحقة لمسافات متكررة بين جنون العناصر وجنون الكائنات.

 ان الخطاب اللوني عند المالك خطاب يأخذ الحياة الى أماكن مجهولة او كنغمات وموتيفات تتقاطع وتتغير محلقة في فضاءات كتلك الآثار التي تركتها السنون. انه موسيقى بلا استراحة واستدارات سريعة في القفزات وطيران دون انقطاع.

المعرض كان البوم أحلام مسنة ورسائل داخل شاحنات تتجه نحو الغروب وحزم أمتعه وسلايدات لاترى منها غير أرصفة وشتاء ليل وسماء متجمدة ، أرصفة مغمورة بحشد رجال مغلفين بمعاطف طويلة داخل محطات باردة تنتظر الرحيل الى حافات الصخور ، الى مدن ضائعة وممرات وميادين مرمر.

المالك اختزل الألم والوجع من خلال لوحاته التي انتشرت في فضاءات بيسان كنداءات استغاثة تسارعت كعزف اوركسترا مخيفة عبر اراضي بركانية يابسة والإنسان كان هناك يحتضر مبهورا بالغيوم وسفوف أشجار السرو وبالصناديق الخشبية والأجراس التي تتساقط كالرعد بكت وبكيت.    

 

  

 

       

                                     د.صلاح القصب

                                     الدوحة – 2004

 

 

 
   

Back