Salman Almalik

   
 

 

  Home  Biography  Gallery  Photos  Critics  Contact    
     

 

 
   

فنـــان من قطـــر

 
 
 

 

بين "كرسي" لوحة "سلمان المالك" المتشبث بالمكان الأرضي.. وكرسي فرنسيس بيكون المندفع في الزمان

 

إدراك الجمال يتألق بنظيره أكثر مما يتكشف بنقيضه وهذا يعطي أبعاداً أكثر للعمل الفني وإلا لماذا يختلف كرسي فان جوخ المنسي عن كرسي البابا إينوست العاشر لفيلاسكيز عن معالجة فرنسيس بيكون لنفس الكرسي للبابا.. عن كرسي رينوار في أواخر حياته عن كرسي دورامار حبيبة بيكاسو. ربما علاقتنا واتصالنا بأشيائنا ومنها كراسينا لها نقاط تلاقي وتقاطع تكشف عن طيات متعددة من الوعي وكيفية إدراكنا لعلاقاتنا الحيوية بالأشياء مسارات الطاقة فيما بينها وبيننا.

وهنا في طرح جذبني لكراسي الفنان القطري الكبير سلمان المالك بتجربته الكبيرة التي أسكنها كراسيه وجالسيها أجدني أراها أكثر ربما بوعي أكثر في مقابلتها ورائعة الايرلندي البريطاني فرنسيس بيكون "دراسة بعد فيلاسكيز" التي رسمها عام 1953 عن لوحة فيلاسكيز البابا إينوست العاشر 1650.

في روعة بلغت حد البلاغة نلاحظ كرسي فرنسيس وكأنه قادم بسرعة مندفعة من زمن إلى آخر "أربعمائة عام" وقد طوق من سرعة الاندفاع صاحبه مدوياً بصرخة رعب لا تناظرها إلا صرخة إدفارد مونش.. ورغم الاندفاع ودوي الصراخ ظل الجسد ثابتاً.

أما جالس كراسي الفنان سلمان المالك نراهم ثابتي الأجساد وبلا حراك ولا صرخة إلا أن هيئتهم الخارجية تموج بما يوحي باعتصار داخلي.. وبينما الجزء المقدم من الجسد عند فرنسيس نراه مطوقا وكأنه في حالة دوران حول مركز الجسد نجد الجزء المتقدم من الجسد عند شخوص المالك تبدو كمساحة مشدودة لأسفل تجاه جاذبية تزيده قيداً بالمكان .

بينما التمسك الوحيد بالمكان ولو كان كرسياً نراه عند فرنسيس في قبضة كفي البابا بمقبضي ذراعي الكرسي رغم أنه ليس حبيس المكان بينما من خلال أوضاع شخوص المالك ووجوهها المضغوطة التعبير عن المرئية لا ندركها شخوصاً أرضية فقط بل أيضاً وحبيسة المكان وحبيسة أجسادها في ذات الوقت بذلك التركيب البنيوي للجسد المحكم هيئته الخارجية  المنفصلة عن الكرسي كعنصر لكنها متخذه هيئة مما يدفعنا للبحث عن موقع الجسد الإنساني بالنسبة لأشيائه وأدواته الأخرى.

ورغم أن كرسي فرنسيس كرسي زمني وكرسي سليمان مكاني إلا أن الشخوص لدى كليهما تتمسك بقوة بذراعي المقعد وتقبضان عليه  في قوة ربما ليخلق لنفسيهما مجالا للوعي عن طريق التلامس والذي قد يعززه ذلك الجذب لمادتين مختلفتي التركيب ذات خواص فيزيقية مختلفة بين الجسد الانساني والمادة.

وبينما ندرك كرسي فرنسيس الذي يكاد يكون غير مرئي إلا أن هيئة البابا أكدت وجوده نرى كرسي سلمان المرئي تماما إلا أنه شخوصه بلا ملامح أو هوية وكل إدراكهم وتفاعلهم مع المكان الواقعي واستماتتهم للحفاظ المشدود حتى المبالغة على التوازن الداخلي الذي يبدو أنه أقل استقرارا بكثير عن الخارج.

لذلك جاء ارتجال اللون التعبيري عند سلمان والشكل التجريدي للخروج بالشكل تدريجياً دون صدام ليملأ السطح مما أحدث بحساسية الفنان تباينا لأنماط لإتماس والتداخل وإيقاع التفاعل حتى في حالة الطبيعة العابرة للرؤية سندرك هشاشة هذا الداخل.. الذي نراه خارجيا صامتا مبهما شديد التوجس أكثر من دوي  صرخة لوحة فرنسيس ذلك لتوجسنا بأن هناك زلزالا داخليا يهز شخوص سليمان.. ولإدراكنا بأن كرسي فرنسيس هو ككراسي الإعدام ربما المعنوي وهذا الفارق بين الحالتين يدفعنا لتفهم كيفية تعلق الجسد الإنساني بالكرسي وتقبل ذلك الأخزلة بدنيا وفيزيقيا في تلك المقابلة بين الموجب والسالب والعضوي والمادي حتى أن الجسد الإنساني في أحيان كثيرة ينتحل هيئة الكرسي في اندفاعه إلى عمق كهفه الاحتوائي بالكامل وفي تمثل جلسته داخله كرهينة ليبدو انفصال ا لجسد أو ذوبانه داخل كرسيه خاضعة لتمثيل كل منهما للآخر وللقيمة الجمالية التي قصدها الفنان والتي لا تلغي مظهر الدرع الخارجي لهيئة الإنسان ولا أن فكرة الدمج تحققت.

      ولكن تظل طاقة التواصل متبادلة ولنتذكر كرسي فان جوخ الشاغر إلا أن طاقته الداخلية تعمل بجاذبية تخيلنا لعلاقة التبادلية وفان جوخ.. رغم هذا فإن طاقة كرسي فرانسيس تلفظ جالسة إلا أنه متمسك بكلتا قبضتيه بذراعي الكرسي بينما كراسي سلمان كساكنيها أرضية لا تلفظهم بل تؤكد ارتباطهم بها وبالمكان والأرض.. حتى إننا لو تخيلنا أن نرفع أحد شخوص سلمان من فوق كرسيه لبدا لنا كأنه بقايا انسان نحتي قديم على وضع لا تكتمل طاقة بقائه إلا في ارتباطه بهيئة الكرسي.. وهيئة الجالس في لوحات سلمان وارتباطه بهيكل يتمثله على هيئة كراسي يحتويه يثير أكثر من مستوى للحقيقة.. منها مثلا هل الشكل الخارجي يكشف ويوحي بعدا من طبقات حسية مركبة منها تلك الكائنات الانسانية بلا معالم ولا هيئة.. كذلك تموجات أو إعتصارات الجسد الخارجية هي تعود لطياتها النفسية المتعددة متخطية بفكرة الثابت والتفسير الأوحد لمجرد قولنا هذا شخص جالس فوق كرسيه.. ما أراه هنا تحديدا أن الفنان سلمان المالك نجح في تقديم صورة للجسد ككيان له هيئة ممددة طيعة لها قدرة إقامة علاقة تكاملية مع أشياء جامدة بفعل طاقتها وتمورها الداخلي. فيصبح الجسد حين يقيد رغما عنه في علاقة مكانية مع الوقت يجري تحويله إلى طاقة متحولة تبدأ على هيئة شكل أو ربما فكرة متخطيا كتلته المادية.. فيصبح الشخص في لوحاته مع تعدد الرؤية على فترات زمنية يمثل صورة ثم فكرة للجسد.. لذلك كما في بعض لوحات سلمان المالك يمكن  أن يكون الجسد كيان ماديا متشظيا أو مجزأ بشكل متشظي لكنه لا يختفي من الوجود حين تتغير معالمه. وأعتقد أنه سيصبح تجليا أكثر لو اهتم الفنان سلمان بفكرة الزمن كاهتمامه بمحدودية المكان وكاهتمامه بألوانه الخادعة البراقة التي تخفى أسفل السطح ألماً عميقاً.. وبينما تكشف لوحة فرانسيس عن ألم الروح نجد عند سلمان حين يبلغ العذاب المادي مداه ينعدم الاحساس به فشدة الألم تلغيه.. لذا شخوصه متألمة في سكون مطبق داخل محيط هوائي كثيف أرضي.. ورغم وجودهم المحقق في المكان إلا أنهم حبيسو مقاعدهم مقيدون إليها نفسيا بينما كراسي فرانسيس هو كرسي في غرفة اعدام. أعتقد أن كثيرا منا على هوس خاص بكراسيه  كأننا جزء من مشهد مسرحي.. فالبعض كفرانسيس أو سلمان تدوي صرخة رعباً أو يسقط جالساً..

 

 

 

                                                                                                                                          فاطمة علي

                                                                                                                                      القاهرة- 2007

 

 

 
   

Back