Salman Almalik

   
 

 

   Home     Biography       Gallery     Photos     Critics     Contact    
     

 

 
   

سلمان المالك وبلاغة التعبير باللون

 
 
 

 

 

    تزخر الساحة التشكيلية القطرية - على الرغم من حداثة عهدها - بعدد لا بأس به من الفنانات والفنانين التشكيليين أصحاب التجارب العميقة الراسخة من أمثال جاسم زيني، يوسف أحمد، حسن الملا، بدرية جاسم، محمد الجيدة، محمد على الكواري، حسن الشريف، وضحة آل ثاني، فرج دهام، وغيرهم الكثيرين ممن ساهموا بإبداعاتهم المتلاحقة في فنون التصوير والنحت و الجرافيك وفن الكولاج والخزف في التأسيس لتشكيل قطري حديث يتجاوز المحاولات الأولي التي سبقت اكتشاف النفط والتي كانت تكتفي فقط برسم بعض المناظر البسيطة المنقولة من البيئة الصحراوية والبحرية المحيطة وتسجيلها بإسلوب فطري على جدران البيوت وعلى أسقف بعض المنازل القطرية..

    ويعد الفنان سلمان المالك أحد أبرز الوجوه التشكيلية في قطر، فقد شارك في تأسيس الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، كما أنه أحد الفنانين الأوائل الذين ابتعثتهم السلطة القطرية لدراسة الفن في الخارج ليعود بعد ذلك إلى موطنه محملا بخبرات وتجارب عدة مكنته من التوصل لإسلوب خاص يميز أعماله ويمنحها تواجدا شرعيا وقويا علي الساحتين المحلية والعربية لما لها من خصوصية وتفرد واضحين..

   ولد سلمان في العاصمة القطرية الدوحة في العام1958، ودرس الفن في كلية التربية الفنية بالقاهرة في الفترة من1978إلي 1982ثم عاد بعدها إلى قطر ليعمل حتى العام1986مديرا فنيا لمجلة"الدوحة" الثقافية الشهيرة التي كانت تولي الفن التشكيلي اهتماما ملحوظا في ذلك الوقت، وعمل أيضا رئيسا لقسم الديكور بوزارة الإعلام والثقافة حتى العام 1991 وهو الآن رئيس قسم الأنشطة الفنية بالهيئة العامة للشباب والرياضة.

   ولسليمان المالك إسهامات فنية كثيرة في فروع فنية أخرى بخلاف فرع التصوير الذي يتخصص به فهو رسام صحفي و جرافيكي ومصمم إعلاني وصاحب كاريكاتير يومي في جريدة (الراية) سابقا، و(الوطن) حاليا و أسبوعي في مجلة (أخبار الأسبوع).. 

    تتميز تجربة سلمان التصويرية بملامح أساسية من أبرزها تلك القدرة البليغة على التعبير الحر من خلال إسلوب تقني خاص يميز لوحاته المختلفة و التي يسعى من خلالها لإنتاج نص بصري أصيل ينتمي بجذوره المعرفية إلي الموروث المحلي الذي يشكل جزء رئيسي من تكوين الفنان و بتنامي شيئا فشيئا ليحتل مساحة لائقة في التشكيل المعاصر..

     تتألف لوحات سلمان المالك من مجموعة كبيرة من البقع والمساحات اللونية المختلفة في أحجامها وأسلوب تنفيذها (سواء كانت منفذة عبر ضربات سريعة للفرشاة أو بإضافة مساحة لونية ما فوق مساحة لونية أخري أو ترك الألوان نفسها لتتداخل مع بعضها البعض وفقا لإيقاعات روحية تقود تلك الألوان في مسارات مدهشة غير مألوفة ) يفصل بين لون و آخر في كل الحالات تباين صريح أو اختلاف واضح في الدرجات اللونية لنفس اللون مابين الفاتح والغامق و الدرجات البينية أيضا..

    ولكن تأتي الخطوط الغامقة النحيلة - والكثيفة في بعض الأحيان- لتنتثر كالشظايا في فضاء اللوحة وبين المساحات اللونية لتمنح الألوان توصيفا ذي مدلول شكلي فتتحول من مجرد مساحات لونية متجاورة أو متداخلة أو تعلو فوق بعضها إلي أجساد بشرية لا نمطية محددة بخطوط خارجية لا تنتمي في إسلوب بناءها إلى تلك الأجساد المرئية في الواقع المعاش حيث أنه لا تتبع أي من قواعد التشريح المعروفة.. إنها أجساد هلامية ذات أكتاف عرضة ورؤوس صغيرة - إذا ما قورنت بحجم الجسد الضخم واستطالته المبلغ فيها بشكل ظاهر- تميل تلك الأجساد في معظم اللوحات يمينا أو يسارا كأنما تستجيب في حركتها تلك لقوى خارجية لا يمكننا رؤيتها في ثنايا اللوحة إنما نستطيع الشعور بها بما يمكننا من تلمس تأثيرها الملحوظ على ثبات ورسوخ هذه الأجساد في مكانها..

      ولا تبقي الخطوط الخارجية في هذه الحالة بمثابة القيد الصارم الذي يشل حركة الألوان و

     لا تحمل شخوص سلمان المالك أية ملامح تميز وجوهها وربما قصد الفنان أن تعبر تلك الشخوص بحالتها المبهمة تلك عن كل البشر في كل الأماكن والأزمنة بشكل عام دونما تخصيص قد تخلقه ملامح محددة لأفراد معينين أو جنس بشري ما، وهنا يضع الفنان نفسه أمام إشكالية ضخمة تتعلق بمدى مقدرته علي التعبير فقط من خلال الإيماءات والحركات الجسدية المحدودة دون أن يلجأ لنقل حالة معينة عبر ملامح الوجه..

     تظهر الشخوص في لوحات سلمان المالك في وضعيتين حركيتين أساسيتين هما وضعيتي الوقوف والجلوس مع ملاحظة أن هاتين الوضعيتين لا تجتمعان معا في لوحة واحدة فالأشخاص في اللوحة إما في حالة وقوف فقط أو في حالة جلوس في الحالة الثانية،  ويلاحظ كذلك أن عدد الشخصيات في وضعية الجلوس يتراوح بين شخص واحد إلى شخصين لا يزيد عدداهما أبدا عن ذلك ( في لوحة واحدة فقط وصل العدد إلى ثلاثة وكن سيدات جلست واحدة منهن بعيدا عن السيدتين الأخريين اللتين جلستا متلاصقتين علي أريكة واحدة) وكأنما تعبر تلك الحالة عن معاني خاصة قصد الفنان بوعي أو من خلال عقله الباطن التعبير عنها كمعاني العزلة والسكون والتأمل والبحث عن الراحة في حالة ما إذا كان الجالس في اللوحة شخصا واحدا أو الألفة و البوح بأسرار ما إذا ما كان هناك شخصان يناجي أحدهما الآخر..

     أما في وضعية الوقوف فالأشخاص يظهرون بداية من شخص واحد في اللوحة وصولا إلى مجموعة كبيرة من الأشخاص في لوحة أخري وكأن وضعية الوقوف تلك هي الحالة الأكثر حيوية من الوضعية سالفة الذكر والتي يمكن من خلالها طرح معاني عديدة خاصة بشخص واحد أو عدة أشخاص متكتلين في مواجهة أحد الأمور التي تعنيهم مجتمعين أو القيام بفعل واحد مشترك يدلل على توحدهم في الهم والهدف المبتغى..

    عن لوحاته والرؤية التي تطرحها وعن المرأة باعتبارها حالة خاصة يهتم بها سلمان الملك في بحثه التشكيلي ومغامرته الإبداعية الثرية يقول: " هذه الأعمال تجسيد لرؤيتي للواقع دون ركض باتجاه المباشرة التي أري أنها لعالم لا يرغب فيها فنيا.. هي تعبير ينساب من أحاسيسي ومداركي بلا قيود أحاول صياغته موسوما بلغة وبعلاقات خاصة بين مفرداته التي تؤلف أساسا بين الحلم والقصيدة تتعانق في حميمية مع الكتلة والفراغ واللون في إطار يهجس بالمزاوجة الحقيقية بين ما هو راق و أصيل وما هو معاصر وحديث من القيم الفنية والحضارية.. شجوني ملتصقة باللوحات.. عذاباتي قديمها و جديدها تسكن أحلامي بأبعادها كلها لغرض حضورها في مضامينها التشكيلية ومعالجتها اللونية المتعددة.. المرأة أيضا تتسيد مساحة كبيرة في اللوحات.. المرأة/الوطن.. المرأة/الحلم.. المرأة.. الفعل القادر علي المساهمة في البناء.. ذلك كله في محاولة بأن تنجح في الخروج من المستوي السطحي لمفهوم المرأة بدلالته الحسية...."

     تحتل المرأة جزء هام وأساسي في تجربة سلمان المالك، وكما سبق وأن أوضحنا بأنها تحتل مساحتها الكبيرة ضمن أعماله التصويرية، وهو يختزل المرأة - القطرية أو الخليجية ذات الزى الشعبي المتوارث- في كتلة بسيطة تحمل العباءة التقليدية الشهيرة، وكما هو الحال في سائر لوحاته تختفي الملامح نهائيا وتبقي هذه الأجساد النسائية ماضية في طريقها الليلي تحت ضوء خافت ينبعث من هلال يطل من السماء تتجول بين عدد من المجسمات المكعبة أو فوق رمال الشاطئ البحري الناعمة..

     وفي عدد كبير من تلك اللوحات التي تصور المرأة يلجأ سلمان إلي الخطوط الهندسية البسيطة والمساحات اللونية المحددة وفقا لأشكال منتظمة مبتعدا بعض الشيء عن التكنيك المتبع في إنتاجه للوحاته الأخرى والذي سبق لنا و أن أوضحناه.. وهو على عكس ما يتبعه مع معظم لوحاته فإنه يضع لتلك اللوحات النسائية أسماء محددة تشير إلي محتوي اللوحة ك ( الانتظار، تجسيم، الفصل الأخير، لقاء، الانسجام، اتجاهات الظل، رغبة)..

    يكتب فاروق يوسف في مقدمة كتيب يضم عددا من لوحات الفنان: (في تجربته الجديدة لا يحيلنا الرسام سلمان المالك إلا إلي جزء من الحكاية التي يعالجها تصويرا، ذلك الجزء العصي علي الوصف القائم في توتره، العاكف على تشكيل ذاته من مادة حلمه. و إذ تحيي رسومه منطقة تعبيرية كادت أن تنقرض في تاريخ حداثتنا الفنية بسبب الإهمال، لا تنشئ قيمها الجمالية استنادا إلي ما تظهره، بل إلي ما تخفيه. سواء حدث ذلك عن قصد أو بشكل عفوي ففي كل وقعة حسية يلتقطها المالك هماك نوع من الإنصات الغامض الذي يثير الانتباه ويشد الاهتمام إلى السر الذي يجعل هذه اللقاءات ممكنة وهى واقعيا لقاءات ممتنعة. تكمن المتعة هنا في محاولة الرسام الإفصاح عن النبع الروحي الذي تصدر عنه فهي إذن لا تتماهى طويلا مع الجانب الحسي الذي تستعرضه في غير حجاب إلا من أجل أن تصل إلي تشكلها الداخلي: كيانا غير مسبوق في جهة استغراقه الحدسي).

     إن أعمال سلمان المالك التصويرية تنحى في مسار روحي يبعد كل البعد عن تسجيل فكرة مسبقة أو التوثيق لمعنى محدد.. فهو يبدع أعماله وفقا لإلحاح داخلي وسيطرة لمشاعر فياضة تسكنه وتدفعه للعمل من أجل العثور علي أجوبة صائبة لأسئلة مستعصية تشكل وحدها هواجس الفنان وعوالمه السرية النائية التي تكفل له الاستمرار في البحث المتواصل في محاولات جادة للوصول إلي يقين ملموس أو الكشف عما هو مخبوء وغير ظاهر.. 

    و أيا ما كانت هذه الرحلة مضنية وشاقة فهي في كل الأحوال تحمل من حين لآخر لذة الاكتشاف ورحيق المجهول الذي نسعى مخلصين لإدراكه.. تحية لسلمان المالك في صومعته، وتحية لفنه الجميل..   

 

جريدة الفنون - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت

 

                                                                                                      محمد مهدى حميدة

ناقد من مصر

 

 
   

Back