Salman Almalik

   
 

 

   Home     Biography       Gallery     Photos     Critics     Contact    
     

 

 
   

فنـــان يتنفس عبر اللون

 
 
 

 

 

أعترف بأن هذا الفنان سبب لي حيرة شديدة، فقد عرفت الفنان سلمان المالك منذ أكثر من ثلاثين عاماً عندما كنت مديراً فنياً لمجلة الدوحة في دولة قطر، إلى أن غادرتها أواخر عام 1980، كان سلمان في ذلك الوقت شاباً في نهاية المرحلة الثانوية ينوي الالتحاق بكلية فنية، وكانت لديه موهبة في الرسم الصحفي والكاريكاتير تبشر بمستقبل باهر في هذا المجال.

كان إعجابي به سببه أن رسومه في ذلك الوقت تحمل خبرة ومستوى أكبر من سنوات عمره.

كان سلمان المالك الوحيد المهتم بالرسم الصحفي، بين مجموعة من الشباب القطري لديهم توجه نحو الفن التشكيلي، البعض منهم يدرس في أكاديميات للفنون والبعض الآخر يمارس الفن بشكل عفوي، ولكنهم جميعاً كانت لديهم رغبة مخلصة وإرادة قوية نحو خلق تيار جديد في الفن التشكيلي في دولة قطر.

وقد نجح هؤلاء الشباب في وضع اللبنات الأولى للحركة التشكيلية في قطر، وأصبح عدد كبير منهم من كبار الفنانين، تتبوأ أعمالهم المواقع المهمة في المعارض الفنية وتلمع أسماؤهم في المحافل التشكيلية العربية والعالمية: منهم جاسم زيني، يوسف أحمد،حسن الملا، محمد علي وعلي حسن وغيرهم.

نعود إلى سلمان المالك الذي التحق بكلية التربية الفنية بالقاهرة عام 1978 وتخرج فيها عام 1982 ليعود إلى قطر يمارس عمله، وأصبح مديراً فنياً لمجلة الدوحة، واستمر يرسم الكاريكاتير والرسم الصحفي إضافة إلى إخراج المطبوعات وتصميم أغلفة الكتب والملصقات وابتكار العلامات البصرية. كان ناجحاً في كل تلك المجالات، تأتيني أخباره، وأسعد بنجاحه وحصوله على الجوائز في الكاريكاتير وكنت أعتقد أن ما يحدث شيء طبيعي كنت أتوقعه له منذ البداية.

بالطبع كان يشارك على استحياء في المعارض التشكيلية ولكن ليس بنفس درجة وفاعلية رفاقه الذين تفرغوا تماماً للفن التشكيلي، وأصبح عالمهم ومجالهم الوحيد.

 

الانفجـــــار

 

بعد عشرين عاماً..

انفجر فجأة بركان سلمان المالك ليطلق مئات اللوحات بأسلوب فذ مدهش لا يملك المشاهد سواء كان متخصصاً أو غير متخصص إلا الانبهار والإعجاب والتقدير.

في غضون ثماني أو تسع سنوات أطلق سلمان المالك عدداً هائلاً من اللوحات، وكنت قد زرته منذ عامين في الدوحة فشاهدت عنده أعداداً هائلة من اللوحات تحتاج لأكثر من عشرين عاماً لإنجازها، وأخبرني حينذاك أن تلك اللوحات هي التي تبقت والكم الأكبر تم بيعه أو اقتناؤه.

من الواضح أن الطاقة التي كانت مخزونة في بركان سلمان المالك كانت أكبر وأقوى من سيطرته،فانطلقت كالمارد، وجاءت اللوحات مشحونة بألوان لها سخونة الحمم، حتى الشخوص في اللوحات بدت كأنها تطايرت من تأثير هذا الانفجار الهائل.

لن أغوص في نوايا الفنان لأحمل أعماله معاني وأهدافاً من الممكن ألا يكون قد فكر فيها أو خطرت بباله، كما يحلو للبعض أن يتعامل مع أعمال الفنانين.

لن أخوض في المعاني والأهداف التي تحملها لوحات سلمان المالك ولكني أركز هنا على هذا العزف الأوركسترالي بالألوان، فتلك اللوحات هي سيمفونيات من الألوان المتضادة استخدمت بمهارة وإحساس فائق، لتنتج أعمالاً تتفجر مشاعر بالغة القوة والصدق ممزوجة بجمال أخّاذ.

وقد لاحظت أن ألوان سلمان ساطعة حتى الداكن منها، وهذه خاصية في كل لوحاته، وقد قمت بتجربة خاصة على صور تلك اللوحات، كانت الصور بصيغة (RGB) ومن المعروف أن تلك الصيغة تعطي الألوان بريقاً وسطوعاً، وقمت بتحويل تلك الصور إلى صيغة (CMYK) وظلت الصور والألوان بنفس البريق والسطوع.

أعمال سلمان المالك أعادت إلى ذهني مقولة بول جوجان:

"الفنان الحقيقي ليس سحابة دخان بل صاعقة تنتج البرق والرعد" وألوان سلمان تذكرني بجمال ألوان جوجان رائد الفن الرمزي والأب الروحي للمدرسة الوحشية والتعبيرية الألمانية، وهو الذي كان يسعى لتوأمة الواقع مع الخيال.

وعندما سئل سلمان عن أحب الفنانين إليه أجاب: مايتس وبيكاسو، وهو أقرب إلى الفنان هنري مايتس الذي قال: اللون يساعد على التعبير عن الضوء، ليس الضوء العادي وإنما الضوء الذي في رأس الفنان.

كما تنطبق مقولة مايتس على سلمان حيث قال: إنني أتنفس عبر اللون.

أما الخطوط في أعمال سلمان المالك فهي مليئة بالطاقة النشطة تبدو كاللهب الراقص، وعندما أشاهد تلك الخطوط السوداء في لوحاته أتذكر ما قاله عن مرحلة الصبا في حياته، حيث قال: إنه كان يأخذ بقايا الفحم  ليرسم بها خطوطاً على جدران بيت الأسرة المطلي بالجص الأبيض عندما  كان صغيراً في السادسة من عمره، وكان الفحم هو المادة الأساسية المستخدمة كوقود للطهي.

حاول البعض في كتاباتهم عن سلمان المالك الربط بين أعماله في الرسم ولوحاته، وكيف أن الرسم "وهو كما نعلم رسم صحفي" يبدو تأثيره في لوحاته وأن هناك تأثيراً لأعماله الفنية في رسومه. وأنا لا أعتقد أن هناك أي ترابط أو تقارب أو علاقة بين ما يرسمه سلمان في الصحافة وبين لوحاته، وهو من القلائل الذين كانوا يرسمون في الصحافة واتجهوا إلى الفن التشكيلي، واستطاعوا التخلص تماماً من تأثير الرسم الصحفي على أعمالهم التشكيلية.

أغلب من رسموا في الصحافة واتجهوا للفن التشكيلي نجد أن لوحاتهم ما هي إلا نسخاً مكبرة من رسومهم الصحفية بنفس الأسلوب والتفكير والألوان، وإن استخدموا خامات مختلفة ووضعوا إطاراً حول هذه الرسوم.

ربط البعض بين أعمال سلمان المالك والمدرسة الوحشية، وذلك لأن تلك المدرسة التي بدأت في مطلع القرن العشرين، وكانت نتيجة تأثر جماعة من شباب الفنانين بمعرض بول جوجان عام 1901 ومعرض فنسنت فان جوخ عام 1903، فقدموا أعمالهم التي عرضت في قاعة خاصة بهم في صالون الخريف بباريس عام 1905 وتميزت تلك الأعمال بالجرأة والتعامل مع الشكل بعفوية حيث لم يكن يشغلهم الشكل بقدر اهتمامهم باللون الصارخ، وما يحتويه من شحنات عنيفة تعبر عن طاقة ذات تأثيرات بصرية، وبالتالي أعطاء الأولوية للون والتعامل معه لا كعنصر وصفي لمظهر الأشياء، بل باعتباره يحمل شحنة انفعالية تعبر عمان يريده الفنان.

وجاءت تسمية تلك المدرسة بالوحشية إثر تعليق الناقد لويس فوكسيل في صالون الخريف بباريس 1905 حيث عاب على هؤلاء الفنانين استخدامهم للألوان الصارخة، إذ صاح متهكماً أمام تمثال النحات دوناتيلو: دوناتيلو في قفص الوحوش.

رغم اهتمام سلمان المالك بالألوان وإستخدامه الألوان الصارخة، ورغم إهماله التفاصيل الصغيرة واهتمامه بالكتلة مما يدفع البعض للتعامل مع أعماله على اعتبار أنها تندرج تحت المدرسة الوحشية، إلا أنني لا أرى ذلك التقارب بينه وبين أي من أعمال فناني المدرسة الوحشية أمثال مايتس وديران وفلامنيك. وقد حاولت البحث عن أعمال تقترب من أسلوب سلمان المالك لم أجد هناك مدرسة جديدة  اسمها الوحشية الجديدة والتجريدية الانطباعية  يتبناها فنانون معاصرون قد تقترب من بعيد لأسلوب سلمان المالك، لكن يظل الفارق كبيراً بين أعمال فناننا العربي وبين أعمال هؤلاء الفنانين، ويظل أسلوب سلمان متفرداً قوياً وتنفرد ألوانه بمذاق خاص وتأثير دامح، وأنا شخصياً وهذا رأي الخاص أعتقد أن تلك التراكيب اللونية في لوحات سلمان المالك من أجمل الأعمال الفنية التي شاهدتها.

والفنان سلمان من مواليد الدوحة عام 1958، درس الفن في مصر، وهو حالياً من العلامات البارزة على خريطة الفن التشكيلي الخليجي والعربي، وله مشاركات محلية وعالمية حيث أقام أكثر من سبعة معارض خاصة، وشارك في أكثر من 35 معرضاً داخل قطر وخارجها، ومثلت أعماله دولة قطر في عدة معارض منها بينالي القاهرة، بينالي الهند، بينالي دكا بنجلادش ومهرجان دول حوض البحر الأبيض المتوسط في إيطاليا.

وقد حصل الفنان على عدة جوائز عربية ودولية منها: بينالي القاهرة، بينالي بنجلاديش، السعفة الذهبية للمعرض الدوري لدول مجلس التعاون، وجائزة الدانة في الكويت بالإضافة إلى عدة جوائز أخرى.

والفنان سلمان المالك من أهم رسامي الكاريكاتير في قطر. وينشر له كاريكاتير يومي في جريدة الوطن القطرية.

 

 

 

                                                                                                                         محمد أبو طالب

                                                                                                                 مجلة الهلال- القاهرة - 2009

 

 

 
   

Back